في عمق الظلال – الفصل الثاني
"في عمق الظلال – الفصل الثاني"
مع مرور الأيام، بدأت مريم تشعر بأن كل خطوة تخطوها في هذا العالم المظلم كانت تقربها من شيء أكبر منها. كانت الأزقة الضيقة التي تجوبها في المدينة القديمة قد بدأت تكتسب أبعادًا جديدة في مخيلتها. أصبح كل جدار، كل نافذة قديمة، وكل شعاع ضوء يتسلل من بين السحاب، يحمل رسالة غير مفهومة، كأنها كانت في خضم حكاية كبيرة، حكاية تكشفت لها شيئًا فشيئًا.
في أحد الأيام، وفي شوارع المدينة المبللة بالمطر، كانت مريم تسير وحيدة تحت مظلتها التي أصبحت أكثر تآكلًا بمرور الوقت. في تلك اللحظة، وكأن القدر قد قرر أن يكشف لها سرًا جديدًا، رأت شخصًا يقف أمام أحد المحلات القديمة. كان إياد، لكن هذه المرة، كان هناك شيء مختلف في عينيه، كان كأن هناك كائنًا غريبًا يطل من وراء نظراته.
"مريم..." همس بإسمها، وكأنها كانت سرًا ضائعًا في فمه.
أوقفته مريم بنظرة حادة، عينيها لا تعرف إلا الفضول، والحيرة. "ماذا تريد مني؟" سألته بصوت متوتر، وهي تدرك أن هذا اللقاء ليس ككل اللقاءات السابقة. كان هناك شعور غريب يكتنف الأجواء، وكأنها كانت على وشك اكتشاف أمر عميق، شيء قد يغير مسار حياتها إلى الأبد.
"أحتاج أن أخبرك بكل شيء. لكن، ليس الآن." أجاب بصوت خافت، وعيناه لا تبتعدان عن وجهها.
كان الجواب كفيلًا بأن يثير في قلب مريم ألف سؤال، لكنه في ذات الوقت، زاد من رغبتها في معرفة المزيد. كانت تعلم أنها كانت على وشك أن تتعلم شيئًا لم تكن مستعدة له. شيء قد يجعلها تندم، أو قد يجعلها تجد طريقها إلى الحقيقة التي كانت تبحث عنها طوال حياتها.
في الليل، وبعد أن عاد كل شيء إلى الهدوء في المدينة، وجلست مريم أمام نافذتها الصغيرة، تأمل السماء الملبدة بالغيوم، شعرت بوجوده مرة أخرى. كانت هناك هالة غريبة تحيط بهذا المكان، كأنما كل شيء من حولها كان يهمس لها بكلمات غير مرئية، كلمات تهدف إلى إخراجها من عالمها الآمن إلى عالم آخر، عالم مجهول.
وفي تلك اللحظة، وصلتها رسالة غير متوقعة. كانت من إياد.
"الوقت قد حان. تعالي إلى المكان الذي لا تعرفين عنه شيئًا."
لم تكن مريم تفكر كثيرًا في العواقب. كانت قد قررت أن تذهب إلى هناك، وأن تلتقي بإياد في المكان الذي اختاره. كانت خطواتها ثقيلة، لكن قلبها كان مليئًا بالحماسة والقلق في آن واحد. كأنما كانت تخوض مغامرة مع نفسها، وكل خطوة تخطوها كانت تحمل ثقلًا من الماضي الذي لم يكن يُقال.
وصلت إلى المكان بعد وقت قصير، كان مكانًا غريبًا، ضبابيًا، مليئًا بالمشاعر المتضاربة. كان هناك باب قديم، عليه آثار الزمن، ومع كل حركة كانت الرياح تعصف بالمكان، كأنها كانت تتحدى وجودها.
دقت مريم الباب. في اللحظة التي لم تتوقعها، فتح الباب ببطء. كانت هناك شموع مضاءة في أركان الغرفة، وداخلها كان إياد يقف في الظلام، عينيه تلمعان كالنجم البعيد.
"أنتِ هنا. أخيرًا." قالها بصوت مفعم بالسرية.
ثم أضاف: "المدينة، كل شيء فيها ليس كما يبدو. هناك ما هو أكثر مما يمكن أن تتخيله. هل أنتِ مستعدة لمعرفة الحقيقة؟"
🌹🌹🌹