في عمق الظلال – الفصل السابع
"في عمق الظلال – الفصل السابع"
كان الكتاب بين يديها ينبض، وكأن الكلمات داخله كانت حية، تتحرك. رائحة الورق القديم كانت تسكن الأجواء، ورغم أن المكان كان مظلماً، شعرت مريم بالضوء يضيء داخلها. كانت الكلمات على الصفحات تنبض بالحياة أمام عينيها، لكنها لم تكن مفهومة بالكامل. كانت لغة قديمة جدًا، وكأنها تستدعي الماضي لتعيد فتح الأبواب المغلقة.
إياد كان يقف خلفها، صامتًا، كما لو كان يراقبها بصمت شديد، كأنما يريد أن يرى كيف ستتعامل مع هذا المجهول. كان يشعر بشيء غريب في قلبه، شعور أن لحظة ما كانت قد اقتربت، لحظة تحول لا مفر منها.
مريم أخذت نفسًا عميقًا وبدأت في القراءة. كان الصوت الذي ينبعث من الكلمات القديمة يكاد يكون همسًا خفيفًا في أذنيها. كان هناك شيء مألوف في هذه الكلمات، وكأنها كانت قد سمعتها من قبل. لكن كيف؟ ومتى؟
بينما كانت تنغمس أكثر في الكتاب، بدأ الظلام في الغرفة يتغير. أصبح أكثر كثافة، أكثر ثقلاً، كما لو أن الأجواء نفسها تتأثر بما تقرأه. تحول الظلام من مجرد لون قاتم إلى شيء ملموس، وكأنما هو قوة تحيط بها. وكأن الكلمات التي كانت تقرأها تُفعّل شيئًا في هذا المكان.
"مريم، يجب أن تكوني قوية الآن." قال إياد بصوت مبحوح، كأنما كان يحاول تحفيزها على المضي قدمًا.
استمرت مريم في القراءة، وكانت كل كلمة تُشعل شرارة جديدة في قلبها. فجأة، توقفت عند صفحة معينة. كانت هناك جملة واحدة كتبها أحد الأسلاف: "كل شيء يبدأ وينتهي في قلبك، حيث تكمن الحقيقة."
شعرت بشيء غريب يسري في عروقها. كان هذا هو المفتاح، المفتاح الذي كانت تبحث عنه طوال حياتها. كل ما تحتاجه، كل الإجابات التي كانت تائهة في داخلها، كانت موجودة هنا، في هذا الكتاب، في تلك الكلمات القديمة.
"هل فهمتِ؟" سألها إياد، وهو يقترب منها شيئًا فشيئًا.
مريم رفعت رأسها عن الكتاب، وابتسمت ابتسامة خفيفة، وكأنها قد وجدت أخيرًا ما كانت تبحث عنه. "نعم، فهمت."
كان الكتاب يحتوي على خريطة قديمة، تظهر أماكن محددة في العالم، وكل مكان كان يحمل سرًا عميقًا يتعلق بمصيرها. هذه الأماكن، وهذه الرموز، كانت جزءًا من لغز أعمق، كان يجب أن تكشفه لتكتمل رحلتها.
لكن كيف؟ وكيف يمكنها أن تصل إلى هذه الأماكن؟ وماذا يعني كل رمز وكل كلمة في هذا الكتاب؟
قبل أن تتمكن من التفكير أكثر، شعرت بشيء غريب. كان الظلام يزداد كثافة، وعيناه إياد تراقبها بترقب. كانت هناك قوة غير مرئية تحيط بها، وكأنما يحاول شيء ما أن يعطل تفكيرها.
"المكان هنا... هذا ليس سوى البداية." قال إياد، وكأنما يدرك ما كانت تفكر فيه. "الكتاب يفتح لك أبوابًا جديدة، لكنه أيضًا يحملك مسؤولية كبيرة. عليك أن تكوني مستعدة للانتقال من هنا."
ومع تلك الكلمات، اقترب منهما الظلام أكثر، وأصبح كل شيء في المكان وكأنه يذوب في الفراغ. كان الكتاب يتألق بين يديها كالشمس في السماء، كأنه يحمل نورًا لا نهاية له. كان الضوء الذي ينبعث منه يزداد سطوعًا.
ثم، وكأنما الأرض نفسها تفتح فمها لاستقبال شيء عظيم، بدأت مريم تتحرك بخطوات ثابتة، مع إياد يواكبها في هذا الظلام الذي لا يعرف نهايته. كانت تعرف في قلبها أن كل شيء بدأ للتو.
🌹🌹🌹