بين ظلال العسر الفصل الاول
بين ظلال العسر - الفصل الاول
بداية العاصفة
*بلدة "الصفا"، ربيع 1999*
في صباح هادئ، رغم ما يغمره من كآبة، وقفت الشمس على استحياء فوق بلدة "الصفا". كان الحيّ يغفو تحت وطأة البؤس المعتاد، إلا أن بيت عائلة سليم بدا مختلفًا. كان صامتًا بشكل أثقل من المعتاد. ذلك النوع من الصمت الذي يصرخ بأن شيئًا كبيرًا قد حدث.
جلس سليم في المطبخ، شاردًا. يده تتحسس سطح الطاولة البارد بينما يسمع صوت خطوات والدته الخافتة تتردد من الغرفة المجاورة. منذ وفاة والده قبل شهر، أصبح البيت ثقيلاً وكأنه فقد روحه.
**"سليم، البنك اتصل تاني."**
كان صوت والدته جافًا، يخلو من أي طاقة. نظر إليها بعينين مرهقتين وقال:
"ما تقلقيش، إحنا مش هنتشرد. هنلاقي طريقة ندفع بيها الفلوس دي."
لكن داخله كان يعج بالأسئلة التي لا يملك لها إجابات. كيف يدفع؟ من أين يأتي بالنقود؟
ترك سليم البيت وخرج إلى الشارع. لم يكن يعرف إلى أين يذهب، لكنه كان يعلم أنه بحاجة إلى الهروب. على بعد خطوات، وجد عزت، صديق والده القديم، جالسًا على كرسيه المعتاد بجوار عربته الصغيرة المليئة بالعطور والعسل. كان عزت دائمًا يُشعر سليم بالأمان، كأنه يعرف كل أسرار الحياة، لكنه يخفيها خلف نظراته الحكيمة.
"إزيك يا عم عزت؟"
رفع الرجل عينيه عن العسل الذي كان يسكبه في زجاجة صغيرة.
"يا بني، أنا اللي لازم أسأل. إنت عامل إيه؟ شايل الدنيا كلها على كتافك."
جلس سليم بجانبه وهو يطلق زفرة طويلة.
"عمي، البيت هيتباع. الديون كتير. ما عندكش حاجة تساعدني؟
أبويا كان بيحكيلك عن حاجات ما كناش نعرفها؟"
لم يُجب عزت فورًا. ظل ينظر إلى الشارع أمامه وكأنه يسترجع ذكريات قديمة. ثم قال بصوت هادئ:
"تعالى معايا."
قاد عزت سليم إلى متجره الصغير، ذلك المكان الذي كان يضج دائمًا برائحة المسك والعود. فتح درجًا في المكتب وأخرج صندوقًا خشبيًا صغيرًا ومغبرًا. وضعه أمام سليم دون أن يقول كلمة.
"إيه ده؟"
"ده كان بتاع أبوك. قال لي أحتفظ بيه لو حصل له حاجة. افتحه."
فتح سليم الصندوق بيدين مرتعشتين. داخله كان هناك دفتر بني ورسائل قديمة. كان الدفتر أول ما جذب انتباهه. فتح الصفحة الأولى وقرأ:
"إذا كنت تقرأ هذا، فأنا لست معك.
ما أخفيته طوال حياتي كان لحمايتكم.
لكن الآن،
أترك لك هذا السر لتحمي عائلتنا."
توقفت عيناه عند اسم مكتوب في الرسائل: "يوسف". كان هناك عنوان بجانب الاسم، في مدينة بعيدة.
"إيه ده؟ مين يوسف ده؟"
هز عزت رأسه قائلاً:
"ما أعرفش. أبوك قال إنك لو وصلت للحظة ضيقة قوي،
ابحث عن يوسف. يمكن يكون الحل هناك."
🌹🌹🌹