الكرسي الخشبي
الكرسي الخشبي
كان الجلوس في ذلك الكرسي الخشبي في ركن الحديقة أمرًا محيرًا بالنسبة له. كان يحاول أن يستوعب كل شيء، ولكن جسده كان يرفض الاستسلام للراحة. بدأ يشعر بالثقل في صدره، وعينيه مشوشة، والكثير من الأسئلة تطرق ذهنه، ولكنها كانت تدور في دوائر. عادل، الذي جلس إلى جانبه، كان يراقب بشكل هادئ.
“إزاي حاسس؟” سأل عادل بصوت هادئ.
“مش عارف… مش قادر أفهم، بقالنا شهور بننقل من دكتور لدكتور، بس الأعراض مش بتروح. مفيش حاجة واضحة... وكل دكتور بيقول لي حاجة، لكن مفيش حاجة بتتحسن.”
نظر عادل في عينيه بهدوء، وكأنه يرى شيئًا أعمق من الأعراض التي يعاني منها. "أنا عارف إنه صعب، بس لو فكرت شوية، ممكن تكتشف إن الموضوع مش مجرد أعراض جسدية. دي رسالة جاية ليك من جسمك."
نظر أحمد إلى عادل مستغربًا، وكأنه لم يستوعب ما يقوله. "إيه يعني؟ يعني إيه الرسالة؟ أنا مش فاهم."
ابتسم عادل، وقال: "المرض مش حاجة بتحصل من فراغ. كل حاجة في جسمنا بتعكس أفكارنا ومشاعرنا. لما يكون في حاجة مش صح في حياتك أو في داخلك، الجسد بيبعتها لك على شكل أعراض. بتبقى زي علامة تحذير، لكن كتير مننا مش قادر يشوف ده."
أحمد، الذي بدأ يحس بثقل في صدره أكثر من أي وقت مضى، سأل: "يعني إنت بتقول إن مرضي ده نتيجة أفكار أو مشاعر غلط؟"
"بالضبط"، رد عادل بحذر. "المرض في الأساس هو فكرة. فكرة ممكن تكون مش حقيقية أو مش صح، لكن أنت صدقتها بكل جوارحك، وبعد كده بقت مشاعر. والمشاعر دي بدأت تظهر في جسمك على شكل أعراض."
أحمد كان يحاول فهم الفكرة، لكنه لا يزال مشوشًا. "بس إزاي أبدأ أفهم؟ لو أنا مش حاسس بمشاعر معينة، أو لو مش قادر أتذكر إيه اللي خلاني أصدق الأفكار دي؟"
قال عادل وهو يقترب قليلاً: "السؤال الصحيح هو البداية. لما تشعر بأي أعراض، اسأل نفسك: 'إيه اللي أنا حاسس بيه دلوقتي؟' 'إيه الأفكار اللي بتدور في دماغي قبل ما تبدأ الأعراض دي؟' غالبًا هتكتشف إن في حاجة وراك، سواء كانت مشاعر خوف، قلق، أو حتى إحساس بالذنب."
أحمد شعر بتوتر أكبر وهو يغمض عينيه للحظة، وكأن الكلمات بدأت تؤثر عليه بشكل عميق. "يعني لما أكون مريض، أنا المفروض أسأل نفسي: 'إيه الأفكار أو المشاعر اللي كانت موجودة عندي قبل ما يحصل ده؟'"
أجاب عادل بهدوء: "بالضبط. واللي لازم تعرفه إن الجواب بيكون عندك أنت، مش عند الطبيب ولا الأدوية. الأسئلة هي اللي هتفتح لك الطريق لفهم الأسباب الحقيقية وراء المرض."
بدأ أحمد يشعر بحيرة أكبر. "بس مفيش حاجة بتساعدني في فهم ده. كل الأطباء بيقولوا لي إن ده مجرد مرض جسدي وده كل اللي بيهمهم."
قال عادل بابتسامة بسيطة: "الأطباء كويسين في معالجة الأعراض، لكن الشفاء الحقيقي بيبدأ من الداخل. بيبدأ لما تسأل أسئلة أعمق عن حياتك وعن نفسك. هل أنت في سلام داخلي؟ هل في حاجة في حياتك أو علاقاتك بتسبب لك القلق؟ لما تعرف السبب الحقيقي، تقدر تبدأ في التعامل مع المرض بشكل أفضل."
حاول أحمد أن يتخيل هذا المفهوم، لكن الأسئلة بدأت تزداد في رأسه. كان يشعر بالارتباك، ولكنه كان يعرف أن شيئًا ما بدأ يتغير داخله. "وأنا هبدأ منين؟ يعني إزاي أكتشف إيه اللي خلاني أكون في المكان ده؟"
أجاب عادل برفق: "ابدأ بأبسط شيء. اسأل نفسك عن كل شعور عندك دلوقتي. هل في حاجة مش مرتاح ليها؟ هل في مشكلة لم تحلها من زمان؟ كل شيء صغير ليه تأثير على جسمك. خلي أسئلتك تكون صادقة مع نفسك، لما تسأل سؤال صح هتبدأ تلقى الجواب."
أحمد جلس صامتًا لعدة لحظات، كأن كل شيء بدأ يصبح أوضح تدريجيًا. الأفكار تتداخل في ذهنه، وهو يحاول أن يتذكر كل المشاعر التي مر بها في الفترة الأخيرة. هل كان غاضبًا؟ هل كان في صراع داخلي لم يحله؟ هل كان يرفض بعض الأشياء في حياته؟ الأسئلة تفتح أبوابًا لم يكن يدرك أنها موجودة.
وهو يرفع رأسه أخيرًا، قال: "يمكن فعلاً كل ده بدأ يحصل في وقت معين في حياتي، مش بس الأعراض اللي كانت بتظهر علي، لكن يمكن في حاجة في داخلي مكنتش عارف أعبر عنها."
ابتسم عادل وقال: "تمام. والآن، لما تكتشف السبب الحقيقي، تبدأ تقدر تعالج نفسك. وتتعامل مع المرض من مكان جديد."
أحمد كان يشعر بشيء مختلف الآن. لم تكن الأعراض مجرد مرض، بل كانت رسالة، رسالة كان عليه أن يقرأها ويفهمها. ولم يكن الشفاء فقط في الأدوية، بل في فهمه لنفسه وحياته.
عزيزى القارئ
كل شعور تشعر به وكل فكرة تمر بها هي بمثابة حوار داخلي بينك وبين جسدك. استمع لرسائل جسدك، تفحص أفكارك ومشاعرك بصدق، واسأل نفسك: ماذا يحاول هذا الألم أو المرض أن يخبرني؟ أحيانًا، الشفاء يبدأ عندما نتعلم قراءة الرسائل التي نحاول تجاهلها منذ زمن. الكرسي الخشبي الذي تجلس عليه الآن يمكن أن يكون البداية، لكنه لن يتحرك إلا إذا تحركت أنت نحو الحقيقة بداخلك
🌹🌹🌹